الفصل الثاني: يوم بلا اسملم يكن الصباح أفضل حالاً من الليل، لكنه مرّ أسرع.وقف تاكيشي أمام مرآة غرفته، يعدّل ياقة زيه المدرسي الجديد بتردد. لم يكن يهتم كثيراً بمظهره، لكنه كان يعلم أن اليوم مختلف. مدرسة جديدة، ووجوه جديدة، وأماكن لا تعرف عنه شيئاً... بعد.أغلق باب الشقة بهدوء خلفه. لم يقل له أحد "حظاً سعيداً"، ولم يسمع "اعتني بنفسك"، لكنه كان معتاداً على ذلك. وضع سماعات الأذن، وشغّل موسيقى هادئة ليعزل نفسه عن العالم، وبدأ يمشي نحو محطة القطار.كانت المدينة في الصباح مكتظة كعادتها. طلاب يضحكون، وموظفون يهرعون، ومزيج من الأصوات يختلط في همهمة لا معنى لها. سار بينهم، يشعر وكأنه جزء من المشهد، لكنه ليس جزءًا من القصة.عندما وصل إلى المدرسة، بدا المبنى أكبر مما كان يتخيل. بوابة واسعة، وساحة تعج بالطلاب، وأصوات تتداخل كموجة واحدة عاتية. توقف للحظة، وشد حزام حقيبته على كتفه، ودخل.في الفصل الدراسي، أشار إليه المعلم نحو مقعد بجوار النافذة دون أن ينطق بكلمة تعريف.كل ما قاله هو: "اجلس هناك".جلس تاكيشي.كان الكرسي باردًا، والمكتب مغطى بخدوش خفيفة لأسماء قديمة - قصص طلاب رحلوا منذ زمن. نظر من النافذة. كانت شجرة أزهار الكرز تقف في الفناء، وبدأت بتلاتها تتساقط رغم أن الموسم بدا ناقصًا. شعر بشيء مألوف في ذلك المنظر، صدى غريب لم يستطع تفسيره.انحنى طالبٌ كان يقف خلفه وهمس لصديقه: "هل هو الطالب المنتقل الجديد؟"لم يلتفت تاكيشي. حدق في دفتر ملاحظاته، متظاهراً بأنه لم يسمع شيئاً.مرت الدروس في دقائق بطيئة كضباب. كان يكتب ملاحظات، ثم يمسحها، ثم يعيد كتابتها. لم يسأله أحد شيئًا، ولم يطلب شيئًا في المقابل. ومع ذلك، لم يشعر بالضغط الخانق الذي توقعه. كان هناك شيء مختلف - إحساس خفيف، كما لو كان يقف على بداية طريق بلا نهاية.خلال الاستراحة، وقف بجوار نافذة الممر، ينظر إلى الفناء. رأى مجموعات صغيرة من الطلاب - ضحكات، حركة، حياة.ثم، وللحظة عابرة، لاحظ فتاة تجلس بمفردها تحت شجرة أزهار الكرز.لم تكن تبكي، ولم تكن منشغلة بهاتفها كبقية الناس. جلست هناك تحدق في الأرض وكأنها غارقة في أفكارها. شعر بنظراته تنجذب إليها دون سبب منطقي. ولما أدرك أنه يحدق بها، أدار وجهه عنها بسرعة.قال لنفسه: "لا تتدخل". لكنه لم يستطع إقناع قلبه تماماً.عندما رنّ الجرس، عاد إلى صفّه، لكن صورة الشجرة - والفتاة - ظلت محفورة في ذهنه. وفي نهاية اليوم، وبينما كان يغادر المدرسة، مرّ بالفناء مرة أخرى. كانت الشجرة لا تزال هناك، لكن المكان أصبح خاليًا.شعر بإحساس غريب. لم يكن حزناً... بل كان فضولاً.شدد قبضته على حقيبته وسار نحو البوابة. لم يكن يعلم حينها أن هذا اليوم، الذي بدأ بلا اسم، لن يبقى عادياً لفترة طويلة.الفصل الثالث: تحت شجرة أزهار الكرزكانت السماء مثقلة بالغيوم في ذلك اليوم، كما لو أن السماء لم تستطع أن تقرر ما إذا كانت ستسمح بسقوط المطر أم لا.انتهت الحصص، وتدفق الطلاب من الغرف، وملأ ثرثرتهم الخفيفة الممرات. حمل تاكيشي حقيبته، لكنه لم يتجه مباشرة نحو البوابة. لم يكن لديه سبب واضح للبقاء... ومع ذلك، فقد بقي.سار ببطء نحو الفناء. وقفت شجرة الكرز في مكانها، صامتة وسط الحركة المحيطة، تتساقط بتلاتها برفق كما لو أنها لا تنتمي إلى هذا العالم الصاخب والفوضوي.رآها.كانت جالسة هناك، في نفس المكان تقريبًا، وكأنها لم تتحرك منذ الأمس. خفق قلبه خفقة خفيفة غريبة. توقف دون أن يدرك ذلك. لم يكن يعلم لماذا وقعت عيناه عليها مجددًا، أو لماذا شعر برغبة مفاجئة في الاقتراب... لكنه تحرك.كانت خطواته مترددة، محسوبة.عندما اقترب، نهضت الفتاة فجأة، وكأنها شعرت بوجوده. وفي لحظة المفاجأة تلك، انزلقت يدها، وسقط هاتفها على العشب.تجمدت للحظة، تنظر إليه، ثم إلى الهاتف، ثم عادت تنظر إليه مرة أخرى.تحرك تاكيشي بشكل غريزي. ركع والتقط الهاتف قبل أن يسقط على الأرض. أمسكه بين يديه، وتردد لجزء من الثانية قبل أن يمدّه إليها.قال بصوت منخفض: "هنا...".ابتسمت بخجل ومدت يدها لتأخذها. "شكراً لك."في تلك اللحظة القصيرة، وقعت عيناه على الشاشة التي لم تخفت بعد. توقف للحظة، وشعر بلمحة إدراك. كانت لعبة يعرفها عن ظهر قلب، لعبة أمضى ليالي لا تُحصى يلعبها، ليس للفوز، بل للهروب من الصمت، والأفكار، وثقل الوحدة الخانق.لاحظت الفتاة نظراته. فسألته بهدوء، دون أي فضول متطفل: "هل تعجبك هذه اللعبة؟"رفع رأسه بسرعة، وشعر وكأنه قد تم ضبطه وهو يفشي سراً. تردد قليلاً، ثم أومأ برأسه. "أجل... ألعبها أحياناً."ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، مختلفة عن الابتسامات التي ربما كانت ترسمها للآخرين. "ألعبها كثيراً بعد المدرسة. إنها تساعدني على نسيان الأشياء."صمتت بعد ذلك، وكأنها قالت أكثر مما كانت تنوي. جلس تاكيشي على بعد خطوات قليلة منها، دون أن يخطط لذلك. لم يكن المكان ضيقًا، لكن المسافة بينهما بدت مناسبة - ليست قريبة جدًا، وفي الوقت نفسه ليست بعيدة جدًا."وأنا كذلك..." قال تاكيشي بعد برهة.نظرت إليه مباشرة هذه المرة. لم تكن نظرتها تحمل أحكاماً مسبقة؛ بل كانت هادئة، متفحصة.سألته بنبرة عفوية وصادقة: "أنت الطالب الجديد، أليس كذلك؟"أومأ برأسه. "اسمي تاكيشي."أمالت رأسها قليلاً. "ميساكي تاكاهارا."كرر الاسم في ذهنه. ميساكي.هبت نسمة خفيفة، فأنزلَت عليهما وابلًا من بتلات أزهار الكرز. سقطت إحداها على كتفها دون أن تلاحظ. نظر إليها للحظة قبل أن يُحوّل نظره بسرعة."هل تجلس هنا كثيراً؟" سأل، قاطعاً صمتاً بدأ يبدو طويلاً جداً.أومأت برأسها. "نعم."شعر تاكيشي بموجة من الشجاعة. "هل تمانع... إذا انضممت إليك؟"نظرت إليه ميساكي، واتسعت ابتسامتها قليلاً. "لا أمانع على الإطلاق."لم يكن يعلم السبب، لكن شعوراً بالراحة غمره. لم يكن بحاجة للتصرف؛ لم يكن بحاجة للبحث عن الكلمات المناسبة. كان الحديث بسيطاً، لكنه بدا حقيقياً.رن جرس بعيد، معلناً انتهاء دوام المدرسة. نهضت ميساكي وأخذت حقيبتها.قالت: "عليّ الذهاب". ثم أضافت بعد صمت قصير: "ربما... يمكننا أن نلتقي هنا مرة أخرى؟"لم يُجب على الفور. نظر إلى الشجرة، ثم إلى الأرض، وأخيراً إليها."نعم، أود ذلك."ابتسمت، وكانت ابتسامتها هذه المرة أكثر إشراقاً. "إذن، أراك لاحقاً يا تاكيشي."لوّحت بيدها قليلاً ثم اختفت بين الطلاب المغادرين.بقي تاكيشي تحت شجرة الكرز، يراقب بتلاتها المتساقطة. ظل صدى اسمها يتردد في ذهنه. لم يكن يعلم ما الذي تغير... لكنه شعر بشيء خفيف في صدره. شعور لم يعرفه منذ زمن طويل.
...................................................................
لقد قمتُ للتو بتحميل الفصلين الثاني والثالث! أبذل قصارى جهدي لأستمر في نشر التحديثات بأسرع ما يمكن. كتابة هذه القصة باللغة العربية ثم ترجمتها إلى الإنجليزية بنفسي عملية طويلة وشاقة، لكن دعمكم يجعل كل دقيقة منها تستحق العناء.
أتمنى حقًا أن تستمتعوا برحلة تاكيشي وميساكي حتى الآن. إذا أعجبتكم الفصول، يُرجى متابعة القصة وترك تعليق أو تقييم. ملاحظاتكم تُساعدني على التحسين والتطور! شكرًا لكم على وجودكم هنا.
Please sign in to leave a comment.